تمثل مكامير الفحم واحدة من المشكلات البيئية المزمنة في محافظة القليوبية، خاصة في أجهور الكبرى بمركز طوخ والمناطق المحيطة بها، وعلى امتداد بعض الطرق والقرى التي شهدت انتشار هذا النشاط. وقد سبق لوزارة البيئة تنفيذ حملات تفتيشية متكررة على مكامير أجهور، ورصدت مخالفات تتعلق بالانبعاثات والاشتراطات البيئية، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست جديدة وتحتاج إلى حل مستدام لا يقتصر على الحملات الموسمية.
أولاً: المشكلة وأضرارها
تعتمد المكمورة التقليدية على أسلوب غير محكوم في إنتاج الفحم، بما يؤدي إلى انبعاث الدخان والغازات والجسيمات الملوثة للهواء.
ولا تقتصر آثار المشكلة على صحة الإنسان، وإنما تمتد إلى:
زيادة مخاطر أمراض الجهاز التنفسي والحساسية لدى السكان والعاملين.
انبعاث ملوثات قد تكون ضارة بالصحة عند التعرض لها بصورة مستمرة.
تراكم السخام والرماد على الأشجار والمحاصيل الزراعية والتأثير في البيئة المحيطة.
احتمالات تلوث التربة والمياه إذا لم يتم التخلص الآمن من المخلفات.
الإضرار بالحيوانات والثروة الزراعية نتيجة تدهور جودة الهواء والبيئة المحيطة.
استغلال أراضٍ زراعية أو مواقع غير مناسبة للنشاط، بما يتعارض مع الحفاظ على الموارد الزراعية.
وقد أكدت وزارة البيئة في أكثر من مناسبة أن المكامير التقليدية تمثل مصدرًا للانبعاثات الضارة، وأن تطويرها باستخدام تكنولوجيا أكثر استدامة يمثل أحد مسارات معالجة المشكلة.
ثانياً: الحل ليس إغلاق الصناعة وإنما تطويرها
من المهم أن نضع في الاعتبار أن صناعة الفحم توفر مصدر دخل لعدد من الأسر والعاملين، كما أن الفحم النباتي يمثل نشاطًا إنتاجيًا وتصديريًا.
لذلك فإن التعامل مع المشكلة ينبغي أن يقوم على التوفيق بين حماية البيئة والحفاظ على فرص العمل، من خلال الانتقال التدريجي من المكمورة التقليدية إلى الأفران المطورة المتوافقة مع الاشتراطات البيئية.
وقد وضعت وزارة البيئة بالفعل نماذج واشتراطات فنية لاعتماد المكامير المطورة، تشمل معالجة الانبعاثات وإجراء القياسات البيئية والتأكد من توافق النموذج مع قانون البيئة.
كما أن الوزارة سبق أن طبقت برامج لتوفيق أوضاع المكامير، ووفرت آليات تمويلية ميسرة لمساعدة أصحابها على التطوير.
ثالثاً: مقترح عملي لمحافظة القليوبية
أقترح تشكيل لجنة مشتركة دائمة تضم وزارة البيئة، ومحافظة القليوبية، وهيئة التنمية الصناعية، ووزارة الزراعة، وممثلي أصحاب المكامير، وممثلين عن الأهالي والمجتمع المدني، لوضع خطة زمنية واضحة.
وتتولى اللجنة:
1. الحصر الكامل:
إعداد حصر حديث لجميع المكامير، مع تحديد مواقعها، وحالتها القانونية والبيئية، وحجم إنتاجها، ومدى قربها من الكتل السكنية والمجاري المائية والأراضي الزراعية.
2. تصنيف المكامير:
تقسيمها إلى مكامير ملتزمة، ومكامير قابلة للتطوير، ومكامير لا يمكن توفيق أوضاعها.
3. التطوير التكنولوجي:
إتاحة نماذج أفران مطورة معتمدة بيئيًا، واختيار التكنولوجيا المناسبة وفق حجم النشاط وموقعه وطبيعة الإنتاج.
4. التمويل الميسر:
توفير قروض ميسرة بفائدة منخفضة، وفترة سداد طويلة، مع دراسة منح أو مساهمات جزئية للفئات غير القادرة، بحيث لا يتحول التطوير إلى عبء مالي يؤدي إلى توقف النشاط.
وهذا ليس مقترحًا نظريًا بالكامل؛ فقد سبق لوزارة البيئة أن أعلنت عن آلية تمويلية بالتعاون مع جهات حكومية لإتاحة قروض ميسرة لأعمال تطوير المكامير.
5. الحوافز:
منح أصحاب المكامير الملتزمة حوافز في إجراءات الترخيص والتصدير، وربط استمرار النشاط بالالتزام البيئي والقياسات الدورية.
6. مهلة زمنية معلنة:
منح المكامير القائمة مهلة زمنية محددة ومعقولة لتوفيق أوضاعها، على أن تكون المهلة معلنة منذ البداية ومصحوبة ببرنامج تمويل وفني واضح.
7. الإغلاق بعد انتهاء المهلة:
بعد انتهاء المهلة، يتم إغلاق وإزالة المكامير التي ترفض التطوير أو تثبت استحالة توافقها بيئيًا، مع تطبيق القانون بصورة عادلة ومتساوية.
رابعاً: الاستفادة من التجارب السابقة
لدينا في مصر نفسها تجربة يمكن البناء عليها؛ فقد عملت وزارة البيئة منذ سنوات على تطوير نماذج للمكامير، ووضعت اشتراطات فنية وبيئية لها، كما شهدت القليوبية نفسها تجارب مبكرة للأفران المطورة.
كما أن تجربة الوزارة في أجهور وغيرها تؤكد أهمية الجمع بين التفتيش والرقابة من ناحية، وتقديم البديل التكنولوجي والتمويل من ناحية أخرى.
ومن المفيد أيضًا دراسة تجارب الدول التي نجحت في تحويل إنتاج الفحم النباتي من نشاط تقليدي عالي الانبعاثات إلى إنتاج أكثر كفاءة من خلال الأفران المغلقة واسترداد الغازات والطاقة الناتجة من عملية الإنتاج، واختيار ما يتناسب منها مع ظروف مصر.
خامساً: الرقابة الشعبية
لا يمكن أن تنجح أي خطة دون مشاركة المواطنين.
لذلك أقترح إنشاء آلية واضحة لتلقي شكاوى الأهالي بشأن الدخان والانبعاثات والمخالفات، مع إتاحة وسيلة إلكترونية أو هاتفية للإبلاغ، وإعلان نتائج حملات التفتيش والإجراءات التي تم اتخاذها بصورة دورية.
فالرقابة الشعبية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن أجهزة الدولة، وإنما شريكًا لها في اكتشاف المخالفات ومتابعة تنفيذ الحلول.
الخلاصة
إن قضية مكامير الفحم في القليوبية لا ينبغي أن تظل صراعًا بين حق المواطن في بيئة نظيفة وحق العامل وصاحب النشاط في العمل.
الحل الممكن هو الجمع بين الحقين:
تكنولوجيا نظيفة + تمويل ميسر + مهلة زمنية واضحة + حوافز للملتزمين + رقابة صارمة على المخالفين + مشاركة شعبية.
وبذلك نستطيع تحويل مشكلة بيئية مزمنة إلى نموذج لصناعة إنتاجية أكثر أمانًا، تحافظ على العمالة والدخل والتصدير، وفي الوقت نفسه تحمي الإنسان والزراعة والحيوان والمياه والهواء.
------------------------------
بقلم: كامل السيد
* أمين حزب التجمع بالقليوبية






